السيد محمد رضا الجلالي
180
جهاد الإمام السجاد ( ع )
وبينما يعد الطغاة ظاهرة البكاء دليلا على العجز والضعف والانكسار والمغلوبية ، فهم يكفون اليد عن الباكي ، لكون بكائه علامة لاندحاره أمام القوة ، وعلامة الاستسلام للواقع ، نجد عامة الناس ، يبدون اهتماما بليغا لهذه الظاهرة ، تستتبع عطفهم ، وتستدر تجاوبهم إلى حد ما ، وأقل ما يبدونه هو نشدانهم عن أسباب البكاء ؟ وتزداد كل هذه الأمور شدة إذا كان الباكي رجلا شريفا معروفا ! وبالأخص إذا كان يفيض الدمعة بغزارة فائقة ، وباستمرار لا ينقطع ! كما كان من الإمام زين العابدين عليه السلام ، حتى عد في البكائين ، وكان خامسهم بعد آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وجدته فاطمة الزهراء ( 1 ) . إن البكاء على شهداء كربلاء ، وثورتها ، لم يكن في وقت من الأوقات أمر حزن ناتج من إحساس بالضعف والانكسار ، ولا عبرة يأس وقنوط ، لأن تلك الأحداث ، بظروفها ومآسيها قد مضت ، وتغيرت ، وذهب أهلوها ، وعرف حقها من باطلها ، وأصبحت للمقتولين كرامة وخلودا ، وللقاتلين لعنة ونقمة ، لكن البكاء عليهم وعلى قضيتهم ، كان أمر عبرة وإثارة واستمداد من مفجرها ، وصانع معجزتها ، وحزنا على عرقلة أهدافها المستلهمة من ثورة الإسلام التي قام بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم . والدليل على كل ذلك أن لكل حزن أمدا ، يبدأ من حين المصيبة إلى فترة طالت أو قصرت ، وينتهي ولو بعد جيل من الناس . أما قبل حدوث المصيبة ، فلم يؤثر في المعتاد ، أو المعقول للناس ، أن يبكوا لشئ . لكن قضية الحسين أبي عبد الله عليه السلام ، قد أقيمت الأحزان عليها قبل وقوعها بأكثر من نصف قرن ، واستمر الحزن عليها إلى الأبد ، فهي إلى القيامة باقية . والذين أثاروا هذا الحزن ، قبل كربلاء ، وأقاموا المآتم بعد كربلاء : هم الأئمة من أهل البيت عليهم السلام . فمنذ ولد الحسين عليه السلام أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم مآتم على سبطه الوليد ذلك اليوم ، الشهيد بعد غد .
--> ( 1 ) الخصال للصدوق ( ص 272 ) وأمالي الصدوق ( المجلس 29 ) ص ( 121 )